المنجي بوسنينة

287

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

إلى البصرة ، ولم يكن يتوقّع هذا ، ولم يكن يملك القوّة البحريّة الكافية لمواجهته فأسرع بالانسحاب من مياه البصرة بثلاث سفن كانت هي القريبة من أوامره ، ولم يتمكّن من استدعاء بقيّة سفنه الّتي كانت تتجوّل في مياه الخليج . وأمام ميناء البحرين تحطّمت واحدة من سفنه الثّلاث وغرقت ، وعاد إلى قاعدته مصر بسفينتين فقط عليهما ما استطاع نقله من غنائم معاركه في الخليج قبل انسحابه . ترتّب على انسحاب بيري رئيس وخسارته أمام البرتغاليّين أن أرسل قوباز باشا رسالة إلى والي مصر يخبره بالواقعة ، وبأنّ بيري رئيس قد ترك السّفن الباقية من أسطوله تواجه مصيرها ، فقام والي مصر بدوره بإبلاغ النّبأ إلى إستانبول ، وقال أيضا في بلاغة إنّه قبض على بيري رئيس بعد عودته إلى السّويس . فجاء ردّ إستانبول سريعا وحاسما : « يأمر السّلطان سليمان بدقّ عنق قائد البحريّة الريّس بيري ، وتصادر كلّ ثروته لصالح بيت المال » ، وعلى ذلك أعدم في مصر عام 958 ه / 1552 م ، وكان قد بلغ من العمر حوالي ثمانين سنة . آثاره تعود شهرة بيري ريس العلميّة إلى أنّه قدّم أهمّ عمل خرائطي عثماني يشمل خارطة للعالم ، اعتمد في وضعها على 34 خريطة منها عشرون من عهد بطليموس وما بعده ، وثمانية منها كانت خرائط تسمّى جعفريّة من صنع جغرافيّين مسلمين ، وأربعة منها كانت خرائط جديدة رسمها البرتغاليّون وإحداها كانت خريطة كولومبوس المفقودة الّتي كانت بصحبة أحد البحّارة الأسبان الّذين صحبوا كولومبوس ووقع أسيرا في يد الريّس كمال وتعرّف عليه بيري رئيس وأفاد منه في نقل هذه الخريطة . وقد قدّم بيري رئيس خريطته إلى السّلطان سليم في مصر عام 933 ه / 1527 م . وهي الخريطة الّتي وصلت إلينا كاملة تظهر فيها سواحل غربي أوروبا وشمال غربي إفريقيا ووسط أمريكا وجنوب غربيها ، وبيّن فيها الأنهار والجبال مميّزا إيّاها بالخطوط والألوان ، كما رسم بعض الحيوانات والنّباتات في المناطق الزّراعيّة ممّا أكسبها أهميّة اقتصاديّة . ومن أهمّ خصائصها الدقّة في بيان التّضاريس والمنهج العملي الّذي يذكر فيه : « أنا أعرف معنى الخطأ في الخرائط فأيّ خطأ وإن كان صغيرا سوف يجعلنا نفقد الثّقة في الخريطة ولا نعتمد عليها » . أمّا الخريطة الثّانية وهي أشهر خرائطه فهي الخريطة الّتي قدّمها إلى السّلطان سليمان القانوني مع كتابه « البحريّة » تظهر جزءا من الأمريكتين ، وهي أوّل خريطة دقيقة عن العالم الجديد ترسم بهذا الشّكل . وقد اتّبع فيها بيري ريس المنهج السّابق ، إلّا أنّه كان أكثر دقّة في إبراز تعرّجات السّواحل والخلجان لشمال الأطلنطي ووسط أمريكا وجزر الكاريبي بلغت من الدقّة ما يطابق الخرائط الحديثة ، وقد أثبت فيها بيري رئيس وجود خمسة مراكز بارزة على المحيط الأطلنطي ، بعد أن حوّل جميع الخرائط إلى مقياس رسم واحد ، كما رسم جبالا على شكل كروكي والأنهار مبيّنة بخطوط سميكة . أمّا المناطق المنخفضة فقد وضّحت بنقط